تعيش قطاعات الخدمات في آبل لحظة متناقضة: أرقام قياسية في الإيرادات من جهة، وضغوط تنظيمية وقانونية متصاعدة من جهة أخرى. وفي مكالمة نتائجها الأخيرة مع المحللين، فتحت الشركة الباب أمام تفسيرات متعددة عندما أشارت إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح مصدراً جديداً للنمو، ليس عبر منتجاتها وخدماتها فقط، بل أيضاً من خلال «تطبيقات وشراكات الأطراف الثالثة». العبارة قصيرة، لكنها كافية لإثارة أسئلة كبيرة حول كيفية تسعير آبل لموجة الذكاء الاصطناعي داخل منظومتها.
ماذا قالت آبل بالضبط؟
كيفان باريخ، المدير المالي للشركة، ربط بين الذكاء الاصطناعي ونمو الإيرادات على المدى الطويل من زاويتين. الأولى تتعلق بالأجهزة: وجود قدرات ذكاء اصطناعي حديثة يمنح المستخدمين سبباً مقنعاً للترقية أو للانتقال من منصات منافسة. والثانية أكثر إبهاماً، وهي وجود «فرص» عبر تطبيقات الأطراف الثالثة والشراكات، إلى جانب الفرص الداخلية التي تبنيها آبل بنفسها.
لم يوضح باريخ طبيعة هذه الفرص ولا نموذج الربح المرتبط بها، وهو ما دفع المستثمرين والمحللين إلى طرح فرضيات. الفرضية الأبرز، كما تناقلتها تقارير صحافية، تقوم على أن آبل قد تتولى توزيع وكلاء ذكاء اصطناعي (AI agents) من مطوّرين خارجيين عبر App Store، مقابل حصة من الإيرادات التي يحققها هؤلاء الوكلاء. وهو منطق مألوف للشركة، لكنه يصبح أكثر تعقيداً عندما تكون الخدمة المدفوعة اشتراكاً في نموذج لغوي أو وكيل يعمل عبر السحابة.
لماذا تبحث آبل عن مصادر جديدة؟
الدافع واضح إذا نظرنا إلى ما يحدث في متجر التطبيقات. فعلى الرغم من استمرار نمو قطاع الخدمات إجمالاً، تعرّضت إيرادات العمولات لضربات متتالية:
- قيود قضائية: الدعوى الشهيرة التي رفعتها Epic Games انتهت بإلزام آبل بالسماح للتطبيقات بتوجيه المستخدمين إلى أنظمة دفع خارجية، ما يقلّص حصتها من المعاملات.
- تنظيمات محلية: أسواق مثل البرازيل واليابان أدخلت قواعد جديدة أثّرت على نموذج العمولة، فيما أشارت تقديرات خارجية في أغسطس إلى انخفاض يقارب 18% في إيرادات العمولات داخل الولايات المتحدة.
- تباطؤ ألعاب الهواتف: وهو القطاع الذي كان يمثّل تاريخياً المحرك الأكبر لمبيعات المتجر، ولا تزال الشركة تتوقع استمرار ضغوطه في الأرباع القادمة.
في المقابل، سجّلت آبل رقماً قياسياً في عدد الاشتراكات المدفوعة، مع نمو مزدوج الرقم لاشتراكات تطبيقات الأطراف الثالثة، أي أن الاشتراكات تحاول تعويض ما تخسره العمولات التقليدية. وتتوقع الشركة نمواً في الخدمات بين 8% و9% في الربع المنتهي في ديسمبر، مع احتساب عوائق تتعلق بترخيص تقنيات أطراف ثالثة وتقلبات أسعار العملات.
السيناريوهات المحتملة
لا توجد تفاصيل رسمية، لكن طبيعة أعمال آبل تسمح بترجيح ثلاثة اتجاهات:
- حصة من اشتراكات الذكاء الاصطناعي: تحصيل نسبة من اشتراكات التطبيقات التي تعتمد على النماذج التوليدية، شرط أن تمر عبر نظام الدفع داخل التطبيق.
- شراكات توزيع: اتفاقيات مع مزوّدي نماذج كبار لدمج قدراتهم في تجربة النظام، على غرار اتفاقيات محرّكات البحث التي تولّد لآبل مليارات سنوياً.
- طبقة وسيطة للوكلاء: أن تصبح آبل البوابة التي تربط الوكلاء الأذكياء بتطبيقات المستخدم وبياناته، وتحصل على مقابل لقاء هذا الوصول المنظّم.
القيمة العملية للمطوّرين والشركات
بالنسبة للمطوّرين، الرسالة الأهم أن تكاليف التوزيع على منصات آبل قد تُعاد صياغتها في عصر الذكاء الاصطناعي، خصوصاً أن تشغيل النماذج يستهلك موارد سحابية مكلفة، وأي حصة إضافية تُقتطع من الاشتراك تؤثر مباشرة في هوامش الربح. ولهذا يصبح التخطيط المالي للتطبيقات الذكية أكثر حساسية: تسعير متعدد المستويات، تقليل الاعتماد على الاستدلال السحابي حيث يمكن، وبناء قنوات اشتراك خارج المتجر حين تسمح القوانين.
أما على مستوى المؤسسات، فما يحدث هنا يعكس تحولاً أعمق: المنصات الكبرى لم تعد تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كميزة تقنية تُضاف إلى المنتج، بل كطبقة اقتصادية قائمة بذاتها يمكن تحصيل قيمة منها. ومن يبني اليوم حلولاً ذكية عليه أن يراعي أن قواعد التوزيع والدفع ستتغير مرة أخرى، وأن المرونة المعمارية والتجارية ستكون ميزة تنافسية لا رفاهية.
حتى الآن، لم تقدّم آبل أي توضيح إضافي حول ما تعنيه بـ«الفرص عبر تطبيقات الأطراف الثالثة»، وهو غموض قد يكون مقصوداً في مرحلة لا تزال فيها الملفات التنظيمية مفتوحة في أكثر من سوق.
✦ بقلم فريق دروب أيديا
دروب أيديا - DROPIDEA
نأمل أن تكون هذه المقالة قد أضافت لك قيمة حقيقية. في دروب أيديا نسعى دائمًا لتقديم محتوى عربي عالي الجودة يساعدك على النمو والتطور في المجال الرقمي. تابعنا للمزيد من المقالات والشروحات المفيدة.
الوسوم
الأدمن
DROPIDEA
أحدث المقالات
جوجل تطلق تطبيق Dreambeans في الهند أول سوق خارج أمريكا
هل يبني قادة الذكاء الاصطناعي أدوات لنا أم لأنفسهم؟
هل تتحول مراكز بيانات OpenAI إلى «حرم حاسوبي للذكاء الاصطناعي»؟
جاسي: AWS نحو تريليون دولار إيرادات.. لكن الإنفاق أولاً