أمناء المكتبات يقودون حركة «تجنّب الذكاء الاصطناعي»
بقلم الأدمن
حين تتحوّل المكتبة إلى ملاذ من الذكاء الاصطناعي
في قاعة صغيرة بإحدى مكتبات جنوب فيلادلفيا، يقف أمين مكتبة أمام عشرين شخصاً بالغاً طلب منهم استخراج هواتفهم — لا لتصفّح الإنترنت، بل لتعلّم كيفية تعطيل ميزات الذكاء الاصطناعي المدمجة في أجهزتهم. المفارقة لافتة: الغرفة مُعدّة أصلاً للأطفال، لكن الحاضرين جاؤوا يبحثون عن شيء أبعد ما يكون عن الأبجدية — يبحثون عن التحرّر من تقنية لم يطلبوها.
من أين جاءت الفكرة؟
الفضل في إطلاق هذه الورش يعود إلى هانا سايروس، أمينة مكتبة في ولاية مين، التي لاحظت تصاعداً ملحوظاً في أسئلة الزوّار من نوع: «كيف أوقف هذا؟ لماذا يحاول الذكاء الاصطناعي كتابة رسائلي؟». فقرّرت تحويل هذه الأسئلة المتكرّرة إلى برنامج تعليمي منظّم، نشرت عنه مقالاً أكاديمياً استقطب اهتمام عشرات أمناء المكتبات حول العالم، وهو ما لم يحدث معها من قبل في أي عمل آخر.
الإقبال على أول ورشة عمل نظّمتها كان استثنائياً؛ إذ اضطرّت إلى إغلاق التسجيل عند ثلاثين مشاركاً، وفتح قائمة انتظار، وبثّ الفعالية عبر الإنترنت — ليبلغ إجمالي الحاضرين قرابة سبعين شخصاً في كل جلسة من جلستيها الأوليين، مقارنةً باثني عشر شخصاً يحضرون في العادة دروسها التقنية المعتادة.
ماذا يتعلّم المشاركون؟
تتضمّن الورشة التي تمتدّ قرابة ساعة ثلاثة محاور رئيسية:
- فهم الأساسيات: كيف تعمل نماذج الذكاء الاصطناعي وروبوتات المحادثة، وما الذي يجري خلف الكواليس حين يستخدم المرء هذه الأدوات.
- تقييم الخيارات: عرض موضوعي للحالات التي قد يكون فيها استخدام الذكاء الاصطناعي مفيداً، وتلك التي يُفضَّل فيها الامتناع.
- استعادة السيطرة: إرشادات عملية خطوة بخطوة لتعطيل ميزات الذكاء الاصطناعي في أبرز الأجهزة والمنصّات، من Apple Intelligence إلى Gemini وسواهما.
ويتسم الجو داخل هذه الورش بروح جماعية لافتة؛ يتبادل الحاضرون نصائح من اكتشافاتهم الشخصية، مثل إضافة عبارة &udm=14 إلى روابط بحث Google للتخلّص من نتائج الذكاء الاصطناعي.
ليس رفضاً للتقنية، بل مطالبة بالاختيار
من السهل اختزال هذه الحركة في موقف «ضد التكنولوجيا»، لكن الواقع أكثر دقّة من ذلك. سايروس نفسها تشيد بأدوات التعرّف الضوئي على النصوص في مسح الوثائق القديمة، وبعض المشاركين يرحّبون بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات كالطب والبحث العلمي. ما يرفضه هؤلاء هو منطق الفرض القسري: أن تجد فجأة بريدك الإلكتروني يُلخَّص تلقائياً، أو أن يكتب التطبيق عنك دون أن تطلب منه ذلك.
يُعبّر أحد الحاضرين عن قلقه من المستقبل، حيث قد تجد نفسك جاراً لمراكز بيانات ضخمة دون أن تختار ذلك. وتُشير حاضرة أخرى إلى التداخل بين الضغط المهني لاعتماد الذكاء الاصطناعي والتساؤلات البيئية المتعلقة باستهلاكه الهائل للطاقة.
دور المكتبة في عصر رقمي متسارع
يرى أمناء المكتبات المشاركون في هذه المبادرة أن دورهم لم يتغيّر في جوهره: تمكين المواطن من التعامل النقدي مع المعلومات والأدوات المحيطة به. ما تغيّر هو طبيعة التحدّي؛ فبعد أن كانت المعركة حول تقييم مصادر المعلومات، باتت اليوم حول حق الإنسان في اختيار التقنيات التي يستخدمها أو يرفضها.
الانتشار الواسع لهذه الورش — إذ تجاوز منشور إعلاني على إنستغرام ألفي إعجاب في مكتبة لا تحصد منشوراتها عادةً سوى بضعة عشرات — يكشف عن حجم الإحباط المتراكم لدى شريحة واسعة من المستخدمين الذين يشعرون بأن شركات التقنية الكبرى تقرّر نيابةً عنهم كيف يتفاعلون مع أجهزتهم وبياناتهم.
في نهاية المطاف، ليست هذه الورش دعوةً إلى الارتداد عن العصر الرقمي، بل مطالبة بمبدأ بسيط: أن يكون للإنسان رأي فيما يُثبَّت على جهازه، وكلمة فيما يُجرى على بياناته.
✦ بقلم فريق دروب أيديا
دروب أيديا - DROPIDEA
نأمل أن تكون هذه المقالة قد أضافت لك قيمة حقيقية. في دروب أيديا نسعى دائمًا لتقديم محتوى عربي عالي الجودة يساعدك على النمو والتطور في المجال الرقمي. تابعنا للمزيد من المقالات والشروحات المفيدة.
الوسوم
الأدمن
DROPIDEA
أحدث المقالات
ميسترال تجمع 3 مليارات يورو وتراهن على «الذكاء الاصطناعي السيادي»
كروم يتحوّل إلى تحديثات كل أسبوعين لمواجهة تهديدات الذكاء الاصطناعي
جوجل كلاود تتحالف مع أكسنتشر لتعزيز نشر أدوات الذكاء الاصطناعي في الشركات
أودي A2 E-tron: كهربائية أودي الأقل سعراً والأكثر كفاءة