كريستوفر نولان: الذكاء الاصطناعي حصان طروادة مصنوع من الزجاج
بقلم الأدمن
بين ملحمة هوميروس ومخاوف العصر الرقمي
حين يُصوِّر مخرج بحجم كريستوفر نولان أولى ملاحم الأدب الإنساني — الأوديسة — على شاشة السينما، فإن تساؤلاته حول تقنيات اليوم تكتسب بُعداً فلسفياً خاصاً. في حديث أجراه مع المحاور الفرنسي هيوغو تراڤيرس، لم يتردد نولان في التعبير عن موقفه الصريح من الذكاء الاصطناعي، مستعيناً بالأسطورة ذاتها التي يُجسِّدها فيلمه الجديد.
الحصان الشفاف: استعارة لافتة
حين سأله المحاور عمّا إذا كان الذكاء الاصطناعي يشبه حصان طروادة الخشبي — هديةً ظاهرها النفع وباطنها الخطر — ابتسم نولان وأجاب بثقة: «أعتقد أن الذكاء الاصطناعي حصان طروادة، لكنّ الجميع يعلم أن الإغريق بداخله.» ثم أضاف تدقيقاً أكثر حدة: «إنه حصان شفاف، مصنوع من الزجاج.»
تُلخِّص هذه الاستعارة موقفاً واضحاً: الخطر ليس مخفياً، بل هو مرئي لمن يتأمل بعين ناقدة. والمفارقة أن الخطر المكشوف لا يكون أقل خطورة، بل ربما يكون أشد وطأة حين يُقبِل الناس على استقباله رغم رؤيتهم له.
تشكك الجيل الجديد: ظاهرة تستحق الاحتفاء
لفت نولان إلى ما وصفه بظاهرة غير مسبوقة في تاريخ التقنية؛ إذ قال: «لم أشهد في حياتي تقنية تتقدم بهذه السرعة الهائلة وتُقابَل في الوقت ذاته برفض شعبي واسع.» وأشار بشكل خاص إلى الأجيال الشابة التي سارعت إلى وضع الذكاء الاصطناعي في خانة محددة، مستخدمةً مصطلحات مثل «AI slop» للإشارة إلى المحتوى الرديء الذي تولِّده هذه الأنظمة.
وبدلاً من النظر إلى هذا الرفض باعتباره عائقاً أمام الابتكار، يراه نولان علامة صحية وضرورية، إذ يقول: «التشكك الشديد أمر صحي، لأن التقنية ستمنحنا دائماً هبات جليلة، لكن ينبغي أن ننظر إليها بعين ناقدة.»
التشكك في التقنية والتشكك في أصحابها
لا يقتصر تحفظ نولان على التقنية في حد ذاتها، بل يمتد ليشمل من يقفون وراء تطويرها ونشرها. وفي هذا الصدد قال بوضوح: «دوافع من يمنحوننا هذه التقنية ينبغي أن تُدرَس بتشكك مماثل. وعندها فقط سنستخلص الأفضل من أي تقنية جديدة، بدلاً من الإيمان الأعمى بأن كل شيء سيسير على ما يرام.»
وتندرج هذه القناعة ضمن سياق أشمل؛ فنولان يشغل منصب رئيس نقابة المخرجين الأمريكيين التي نجحت في انتزاع بنود حماية من الذكاء الاصطناعي التوليدي ضمن عقدها الأخير، في أعقاب إضرابات صناعة الترفيه عام 2023 التي جعلت هذه التقنية محور صراع تفاوضي حاد.
تشكك انتقائي لا رفض مطلق
يحرص نولان على التمييز بين موقفه والرفض التقني المطلق. فهو المخرج الذي اختار تصوير «أوديسة» كاملاً على أفلام Imax التقليدية، جاعلاً من فيلمه أول عمل روائي يُصوَّر بهذه الطريقة الكاملة. وحين سُئل عمّا إذا كان يرى نفسه رافضاً للتقنية، رد: «أرى نفسي متشككاً في التقنية، لا رافضاً لها.»
ويرى أن مشكلته الحقيقية ليست مع الجديد، بل مع عقلية «التجديد بالإلغاء» التي تستبدل الصالح القائم بالجديد الوافد دون مسوّغ كافٍ. ويضرب مثلاً بما كادت تتعرض له صناعة السينما حين قاربت على خسارة تقنية التصوير على الأفلام بالكامل.
خلاصة: دعوة إلى يقظة دائمة
يقدم نولان بهذه المواقف نموذجاً للتعامل الواعي مع التقنية؛ لا انبهاراً أعمى ولا رفضاً جاهلاً، بل مساءلة مستمرة لكل هبة تُعرض علينا وكل من يعرضها. وفي عالم يتسارع فيه تطور الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة، ربما تكون اليقظة النقدية التي يدعو إليها هي الموقف الأكثر حكمة وحصافة.
✦ بقلم فريق دروب أيديا
دروب أيديا - DROPIDEA
نأمل أن تكون هذه المقالة قد أضافت لك قيمة حقيقية. في دروب أيديا نسعى دائمًا لتقديم محتوى عربي عالي الجودة يساعدك على النمو والتطور في المجال الرقمي. تابعنا للمزيد من المقالات والشروحات المفيدة.
الوسوم
الأدمن
DROPIDEA
أحدث المقالات
كروزو تلغي صفقة بـ1.25 مليار دولار لتوربينات مراكز البيانات
خصم 50% على تذكرة ثانية لمؤتمر TechCrunch Disrupt 2026
ميتا تكشف عن تطويرات كبيرة لمساعدها الذكي Muse في مؤتمر Connect