لماذا يرتفع سعر هاتفك؟ أزمة الذاكرة تهزّ صناعة التقنية
بقلم الأدمن
إذا لاحظت مؤخراً أن أسعار الهواتف الذكية وأجهزة الحاسب ومنصّات الألعاب في ارتفاع مستمر، فالسبب ليس مجرد تضخّم عام، بل أزمة عميقة تضرب أحد أهم مكوّنات الأجهزة الإلكترونية: الذاكرة. فبعد عقود من انخفاض تكاليف الذاكرة الذي سمح بجعل الأجهزة أقوى دون أن تصبح أغلى بشكل كبير، انقلب المشهد تماماً. واليوم بات ارتفاع أسعار ذواكر RAM محرّكاً رئيسياً لزيادة الأسعار عبر قطاع التقنية بأكمله.
أزمة تتجاوز مجرد الذكاء الاصطناعي
الرأي الشائع يحمّل الذكاء الاصطناعي مسؤولية هذا الغلاء، فهذه التقنية لا ترفع فواتير الطاقة وتؤثر على الوظائف فحسب، بل تدفع أيضاً بأسعار كل شيء إلى الأعلى من الهواتف حتى منصات الألعاب. لكن الحقيقة أكثر تعقيداً؛ فالأزمة كانت تختمر قبل أن ينتشر ChatGPT، ثم جاء الذكاء الاصطناعي بشهيّته النهمة للذاكرة ليضخّمها بشكل غير مسبوق.
ويشير المسؤولون في الصناعة إلى تحوّل جوهري في طبيعة التحدّي. فلسنوات طويلة كان بإمكان مصنّعي الذاكرة زيادة الإنتاج ببساطة عبر حشر عدد أكبر من الشرائح على كل رقاقة سيليكون. لكن هذه المكاسب التقنية أخذت تتقلّص وتستغرق وقتاً أطول. وقد استنتجت شركة مايكرون منذ عام 2021 أن المشكلة باتت أعمق: التطور التقني وحده لم يعد كافياً لتلبية الطلب المتزايد، وأن على المصنّعين معالجة كمية أكبر من الرقاقات وبناء منشآت ضخمة جديدة لذلك.
انهيار السوق ثم عودة الطلب بقوة
ما زاد الأمور تعقيداً هو انهيار سوق الذاكرة في مرحلة سابقة. فقد أدّت مشتريات فترة الجائحة من الحواسيب والأجهزة اللوحية والهواتف إلى استهلاك الطلب المستقبلي مبكراً، ثم ضعف الإنفاق الاستهلاكي وترك المصنّعين أمام مخزون فائض وخسائر دفعتهم إلى إبطاء خطط التوسّع. وحين بدأ السوق يتعافى، أطلق الذكاء الاصطناعي التوليدي موجة طلب أكبر وأكثر استهلاكاً للذاكرة مما توقّعه أي مصنّع.
سوق شديد التركّز
تتميّز صناعة الذاكرة بتركّز استثنائي، إذ يسيطر ثلاثة مصنّعين فقط على نحو 90% من السوق، ما يجعل العالم معتمداً على حفنة من الشركات لتوزيع طاقة إنتاجية محدودة بين البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والأجهزة الاستهلاكية. وبحسب تقديرات، توزّعت الحصص على النحو التالي:
- سامسونج: نحو 39% من السوق
- إس كيه هاينكس: نحو 26%
- مايكرون: نحو 25%
أنواع الذاكرة ليست متساوية
تنقسم الذاكرة داخل هاتفك أو حاسبك إلى فئتين رئيسيتين. الأولى ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية (DRAM) التي تحتفظ مؤقتاً بالمعلومات اللازمة أثناء فتح التطبيقات وتحميل الصفحات وتشغيل البرامج. والثانية ذاكرة التخزين المستقر (NAND flash) المخصّصة لحفظ الصور والملفات على المدى الطويل.
أما داخل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، فتعتمد المعالجات المتخصصة بشكل كبير على نوع خاص من DRAM يُعرف بذاكرة النطاق الترددي العالي (HBM). وكما يوضّح الخبراء، فإن القول بأن مراكز البيانات تستهلك الذاكرة ليس دقيقاً تماماً، لأن نوع الذاكرة المستخدمة مختلف. فذاكرة HBM تُنتَج عبر تكديس شرائح فوق بعضها واستخدام تقنيات ربط وتغليف متقدمة، ما يسمح بنقل كميات هائلة من البيانات بسرعة وكفاءة أعلى.
لماذا يفوز الذكاء الاصطناعي بالأولوية؟
ذاكرة HBM أصعب في التصنيع لكنها أكثر ربحية في البيع. فشركات صناعة رقائق الذكاء الاصطناعي وعمالقة التقنية لديهم حاجة لا تنتهي إليها وهم مستعدّون لدفع أي ثمن. والأهم أنها تستهلك طاقة تصنيعية أكبر بكثير، إذ تقدّر مايكرون أن إنتاج كمية معيّنة من HBM يحتاج نحو ثلاثة أضعاف عدد الرقاقات اللازمة لإنتاج الكمية ذاتها من DRAM التقليدية.
وتميل الحوافز أكثر فأكثر نحو الذكاء الاصطناعي؛ فبدلاً من التخمين بعدد الهواتف أو الحواسيب التي ستُباع بعد عام، يمكن لمصنّعي الذاكرة تأمين التزامات متعددة السنوات من أغنى شركات العالم. وقد أشار مسؤولون في سامسونج إلى أنهم يمنحون الأولوية للعملاء الذين يضمنون طلباً مستقبلياً ثابتاً.
ولا يقتصر الضغط على HBM، فالذكاء الاصطناعي يرفع أيضاً الطلب على DRAM التقليدية، إذ يرغب صنّاع الهواتف والحواسيب في تشغيل نماذج ذكاء اصطناعي أصغر مباشرة على الأجهزة، ما يتطلب ذاكرة أكثر تطوراً وبكميات أكبر. وكل هذا يشير إلى أن أزمة أسعار الذاكرة قد تستمر لسنوات قبل أن تجد طريقها إلى الاستقرار.
✦ بقلم فريق دروب أيديا
دروب أيديا - DROPIDEA
نأمل أن تكون هذه المقالة قد أضافت لك قيمة حقيقية. في دروب أيديا نسعى دائمًا لتقديم محتوى عربي عالي الجودة يساعدك على النمو والتطور في المجال الرقمي. تابعنا للمزيد من المقالات والشروحات المفيدة.
الوسوم
الأدمن
DROPIDEA
أحدث المقالات
بنتلي تورقال: سيارة كهربائية فاخرة بصوت محرك V8 مُصطنع
سوني تعيد إحياء سماعاتها الأسطورية XM4 بنسخة محدّثة
طائرة شحن تابعة لأمازون تخرج عن مدرج مطار ميامي وتصطدم بمركبات
صحيفتان أمريكيتان تقاضيان OpenAI ومايكروسوفت بتهمة انتهاك حقوق النشر