الذكاء الاصطناعي والتقنية

لماذا تبدو قوائم الطعام المولّدة بالذكاء الاصطناعي مقززة؟

DROPIDEA بقلم الأدمن
September 4, 2026 15 مشاهدة
DROPIDEA | دروب ايديا - لماذا تبدو قوائم الطعام المولّدة بالذكاء الاصطناعي مقززة؟

ربما مررت بهذه التجربة من دون أن تدرك سببها: تدخل مقهى وتتصفّح قائمة الطعام، فتلاحظ أن صور السندويشات تبدو مثالية أكثر مما ينبغي، متناظرة بدقة غريبة وناعمة بشكل غير طبيعي، فينتابك شعور خفي بأن شيئاً ما ليس على ما يرام. لست مصاباً بجنون الارتياب، بل أنت أمام قوائم طعام صمّمها الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهي ظاهرة بدأت تغزو عالم المطاعم مؤخراً.

هذه الصور تتراوح بين ما هو مزيّف بشكل صارخ — مثل بوريتو بجبن ذائب يبدو أقرب إلى عمل فني تجريدي منه إلى وجبة غداء — وما هو عادي المظهر إلى درجة أنك لا تكتشف الخلل إلا بعد نظرة متأنية. وقد وصف أحد الخبراء التقنيين هذه النتائج بأنها «أشبه بكائن فضائي يحاول صنع بيتزا من دون فهم مبادئها الأساسية».

لماذا تتشابه كل هذه الصور؟

يكمن جوهر المشكلة في طريقة بناء نماذج الذكاء الاصطناعي وتدريبها. فالنماذج اللغوية الكبيرة ونماذج الانتشار — وهي التقنيات التي تشغّل روبوتات الدردشة ومولّدات الصور مثل «تشات جي بي تي» و«ميدجورني» — تُدرَّب على كميات هائلة من البيانات، ثم تستخلص منها الأنماط لتتوقّع ما يريده المستخدم عندما يطلب مثلاً «تصميم قائمة لمطعم برغر».

والنتيجة أن كثيراً من هذه التصاميم تبدو متطابقة الأسلوب، إذ تعتمد النماذج على قوائم مطاعم شهيرة تتشارك جماليات متقاربة أصلاً. فكل كرة آيس كريم دائرية تماماً، وحبات الجمبري تبدو وكأنها معدّلة وراثياً لتلتهم ذيولها، لتنتج ما يمكن تسميته «أهوال طعام» غريبة.

ظاهرة التقارب وخطر انهيار النماذج

عندما تُدرَّب نماذج الذكاء الاصطناعي على كمية مفرطة من المحتوى الذي أنتجته نماذج أخرى، تنشأ مشكلتان مترابطتان:

  • انهيار النموذج: يشبه هذا الوضع مرض «جنون البقر»؛ فحين تُعاد تغذية مخرجات النموذج إلى نفسه مراراً، يصبح هذا «التزاوج الداخلي» مدمّراً حتى ينهار النظام بالكامل.
  • التقارب: وهو أقل حدّة، إذ يتدنّى جودة المخرجات تدريجياً من دون أن تصبح عديمة الفائدة تماماً، فتزداد الصور تشابهاً وتنميطاً مع كل دورة تدريب.

فحين يطلب مستخدم تصميم قائمة لمطعم وجبات سريعة، يستند النموذج إلى قوائم سلاسل شهيرة متشابهة أصلاً، فتخرج نتيجة تحاكي الأسلوب نفسه، ثم تعزّزه أكثر إذا عادت هذه القائمة المولّدة إلى بيانات التدريب لاحقاً.

«تنعيم الحواف» والتنميط الجمالي

يرى خبراء أن هذه النماذج مُحسَّنة لإنتاج ما هو «مُرضٍ» و«غير مسيء»، وهو ما يقود حتماً إلى التجانس والتنميط. فالذكاء الاصطناعي معروف بأنه «يزيل الحواف» سواء في الصور أو النصوص، ما يفقد المحتوى تفاصيله الطبيعية.

وتزداد المشكلة حين يعدّل أصحاب المطاعم قوائمهم المولّدة مراراً لتغيير تفاصيل صغيرة كالأسعار أو أسماء الأصناف. فقد أظهرت تجارب على منصة «إكس» أن تعديل قائمة أُنشئت عبر «تشات جي بي تي» مئة مرة يجعل الطعام يبدو أكثر استدارة ونعومة وابتعاداً عن شكله الحقيقي مع كل تعديل.

لماذا نشعر بالنفور؟

لهذا النفور أساس علمي. فقد وجد باحثون في جامعة دويسبورغ-إيسن الألمانية أن صور الطعام المولّدة بالذكاء الاصطناعي تُحدث تأثير «الوادي الغريب»، حيث تثير الصور شبه الواقعية قدراً من الاشمئزاز والانزعاج أكبر مما تثيره الصور المزيّفة بوضوح. ويتفاقم هذا الشعور في ظل السياق الثقافي المحيط بالذكاء الاصطناعي.

ويلاحظ الخبراء أن للناس حاسة يصعب تفسيرها تجاه المحتوى المصطنع؛ فهم «يعرفونه حين يرونه» حتى لو عجزوا عن وصف السبب، وهذا ما يفسّر حدة ردود الفعل المبكرة الرافضة لاستخدام المطاعم قوائم الذكاء الاصطناعي.

إذا كان الجمهور يتفاعل بهذه السلبية مع هذه الصور، فقد يكون ذلك سبباً كافياً لتخلّي المطاعم عنها. غير أن المشكلة تتجاوز مائدة الطعام؛ فقدرة الذكاء الاصطناعي على تنميط ما نراه تطرح أسئلة أعمق حول الثقة في الصورة، في عالم كانت فيه قاعدة «الرؤية تعني التصديق» أساساً حتى في أنظمتنا القضائية.

✦ بقلم فريق دروب أيديا

دروب أيديا - DROPIDEA

نأمل أن تكون هذه المقالة قد أضافت لك قيمة حقيقية. في دروب أيديا نسعى دائمًا لتقديم محتوى عربي عالي الجودة يساعدك على النمو والتطور في المجال الرقمي. تابعنا للمزيد من المقالات والشروحات المفيدة.

الوسوم

#الذكاء الاصطناعي #توليد الصور #قوائم الطعام #انهيار النماذج

مشاركة المقال