شركة ناشئة تختصر تصنيع وقود الاندماج النووي من أيام إلى دقائق
بقلم الأدمن
يمثّل الاندماج النووي أحد أكثر مصادر الطاقة الواعدة في العالم، لكنه ظلّ حبيس المختبرات لعقود بسبب التعقيدات الهائلة والتكاليف الباهظة. اليوم، تعلن شركة «إنيرتيا» الناشئة عن اختراق قد يقرّبها خطوة إضافية من تحويل هذه التقنية من تجربة علمية دقيقة إلى منتج قابل للإنتاج التجاري، بعد أن تمكّنت من اختصار زمن تصنيع حبيبات الوقود من أيام إلى دقائق معدودة.
من النموذج التجريبي إلى الإنتاج الصناعي
تعتمد فكرة الشركة على تسويق التقنية التي طُوّرت في «مرفق الإشعال الوطني» (NIF) التابع لمختبر لورنس ليفرمور الوطني، وهو منشأة بحثية ضخمة تتطلب دقة استثنائية في التشغيل. في هذا المرفق، قد يستغرق تصنيع حبيبة وقود واحدة أسبوعاً كاملاً أو أكثر، بتكلفة مرتفعة جداً، وهو ما لا يتناسب أبداً مع أي مشروع تجاري ساعٍ للربح.
يقول جيف لوسون، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة، إن المرفق البحثي لم يكن يُنتج سوى حفنة قليلة من هذه الحبيبات سنوياً، وأن نظرته التجارية جعلته يدرك أن ما يُصنَّع هناك ليس سوى «نماذج أولية». من هنا انطلق فريق «إنيرتيا» لتحويل هذه النماذج إلى منتج قابل للتصنيع بكميات ضخمة، مستعيناً بمهندسين صناعيين من شركات كبرى مثل «آبل» لإيجاد طرق لإنتاجه على نطاق واسع.
تركيبة معقّدة تتطلب دقة متناهية
حبيبة الوقود ليست منتجاً بسيطاً على الإطلاق، بل بنية دقيقة متعددة الطبقات تتطلب مواصفات صارمة. وتتكوّن من:
- غلاف خارجي كروي مصنوع من الألماس.
- طبقة رقيقة مجمّدة من الديوتيريوم والتريتيوم، وهما نظيران للهيدروجين يصلحان وقوداً للاندماج.
- مزيج غازي من الديوتيريوم والتريتيوم في القلب الداخلي.
ويجب أن تكون كل طبقة صلبة قريبة من الكروية المثالية قدر الإمكان. بعد ذلك، تُغلَّف هذه الحبيبات بأغلفة ذهبية تُعرف باسم «الهولراوم»، تحوّل طاقة الليزر إلى أشعة سينية تضغط الحبيبة بشدة، فتلتحم الذرات وتطلق الطاقة. غير أن أي عيب طفيف في الشكل الكروي قد يعطّل عملية الإشعال ويمنع التفاعل من بلوغ كامل إمكاناته.
كيف نجحت الشركة في تسريع العملية
كان التحدي الأكبر أمام «إنيرتيا» هو تسريع الإنتاج دون الابتعاد عن الأسس الفيزيائية التي أثبتها المرفق البحثي. وقد امتلك الفريق ميزة مهمة تمثّلت في وجود آني كريتشر، الشريكة المؤسِّسة وكبيرة العلماء، التي صمّمت أول تجربة اندماج في المرفق تُنتج طاقة أكبر مما تستهلك.
وبعد جولات متعددة من التطوير، تمكّنت الشركة من تنمية البلورات في نحو 30 دقيقة فقط، مقابل أسبوع كامل في المرفق البحثي. وإجمالاً، بات بالإمكان تصنيع حبيبة وقود واحدة خلال ساعتين إلى ثلاث ساعات، مع قابلية رفع الإنتاج إلى المستوى الصناعي، وذلك ضمن شراكة بين القطاعين العام والخاص مع مختبر لورنس ليفرمور.
وتمتلك «إنيرتيا» ميزة إضافية تفتقر إليها المنشأة البحثية، إذ تخطّط لاستخدام ليزر أقوى بأربع مرات من الليزر الحالي، ما يمنحها هامشاً أكبر للتسامح مع العيوب في حبيبات الوقود، وهو ما ساعد بدوره على تسريع عملية التصنيع. وتلخّص الشركة استراتيجيتها في «تكبير حجم مصدر الطاقة» لتوفير مرونة كبيرة في بقية أجزاء النظام.
أثر مضاعف على التكلفة والسلامة
لا يقتصر تأثير تقليص زمن تعبئة الوقود على السرعة فحسب، بل يمتد إلى خفض كمية التريتيوم التي تحتاج الشركة إلى الاحتفاظ بها. والتريتيوم مادة مشعّة تتطلب معالجتها عناية فائقة، كما أنها باهظة الثمن، إذ يبلغ سعر الغرام الواحد نحو 30 ألف دولار، ولا يتجاوز المخزون العالمي منها 25 كيلوغراماً تقريباً.
وعلى غرار كثير من الشركات الناشئة في هذا المجال، تعتزم «إنيرتيا» إنتاج التريتيوم الخاص بها من تفاعلات الاندماج نفسها، لكنها تحتاج إلى مخزون أولي للانطلاق. لذلك، فإن تقليل زمن التصنيع يساعد على إبقاء المخزون صغيراً وآمناً. وتتوقّع الشركة أن تستهلك محطتها التجارية الكاملة عشر حبيبات وقود في الثانية الواحدة.
ويختم لوسون بأن اختصار زمن هذه الخطوة يجعل المنشأة أصغر حجماً، والعملية بأكملها أسرع وأكثر كفاءة، وهو ما يعكس أهمية هذا التقدّم في مسيرة تحويل الاندماج النووي إلى مصدر طاقة تجاري واقعي.
✦ بقلم فريق دروب أيديا
دروب أيديا - DROPIDEA
نأمل أن تكون هذه المقالة قد أضافت لك قيمة حقيقية. في دروب أيديا نسعى دائمًا لتقديم محتوى عربي عالي الجودة يساعدك على النمو والتطور في المجال الرقمي. تابعنا للمزيد من المقالات والشروحات المفيدة.
الوسوم
الأدمن
DROPIDEA
أحدث المقالات
ميتا تطلق تطبيق Pocket لبرمجة الألعاب بالذكاء الاصطناعي في أمريكا
رامب تطلق خدمة Router لتوجيه نماذج الذكاء الاصطناعي
كوجنيشن تنفي محاولة سبيس إكس الاستحواذ عليها في سباق الذكاء الاصطناعي
OpenAI تطلق نظام «المعالجة الآمنة الخاصة» لحماية خصوصية عملائها